ابراهيم بن عمر البقاعي
367
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
فقال : مِنْهُمْ ولما كان الجزاء من جنس العمل قال : عَذاباً أَلِيماً * أي بسبب ما آلموا الناس بأكل أموالهم وتغطيتهم على حقوقهم من الفضائل والفواضل . ذكر تحريم المال بالربا وغيره من أنواع الباطل بنص التوراة ، قال في السفر الثاني بعد ما قدمته في البقرة من الأمر بالإحسان إلى الناس والنهي عن أذاهم : وإن أسلفت ورقك للمسكين الذي معك من شعبي فلا تكونن له كالغريم ولا تأخذن منه ربا ؛ وقال في الثالث : وإن افتقر أخوك واستعان بك فلا تتركه بمنزلة الغريب الساكن معك ، بل وسع عليه ، وإياك أن تأخذ منه ربا أو عينة ، لا تقرضه بالعينة ؛ وقال في الخامس : ولا تطعموا بيت اللّه ربكم أجر زانية ولا ثمن كلب ، ولا تأخذوا من إخوتكم ربا في فضة ولا في طعام ولا في شيء مما تعانونه ، وأما الغريب فخذوا منه إن أحببتم ؛ فقد ثبت من توراتهم النهي عن الربا ، وأما تخصيصه بالغريب فتبديل منهم بلا ريب ، بدليل ما قدمته عنها في البقرة عند قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا [ البقرة : 62 ] من النهي عن غدر العدو ، وعند قوله تعالى : لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ [ البقرة : 83 ] من الإحسان إلى عامة الناس لا سيما الغريب - واللّه الموفق . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 162 إلى 164 ] لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ( 162 ) إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ( 163 ) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ( 164 ) ولما بين تعالى ما للمطبوع على قلوبهم الغريقين في الكفر من العقاب ، بين ما لنّيري البصائر بالرسوخ في العلم والإيمان من الثواب فقال : لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ أي الذين هيئت قلوبهم في أصل الخلقة لقبول العلم فأبعد عنها الطبع ، وجلت الحكمة ، ورسخت بالرحمة ، فامتلأت من نور العلم ، وتمكنت بأنس الإيمان . ولما ذكر نعت العلم المفيد لجميع الفضائل أتبعه ما نشأ عنه فقال : وَالْمُؤْمِنُونَ أي الذين هيئوا للإيمان ودخلوا فيه ، فصار لهم خلقا لازما ، منهم ومن غيرهم يُؤْمِنُونَ أي يجددون الإيمان في كل لحظة بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ لأنهم أعرف الناس بأنه حق وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ أي على موسى عليه الصلاة والسّلام ، وبسبب إيمانهم الخالص آمنوا بما أنزل على عيسى عليه الصلاة والسّلام ، ثم بما أنزل إليك .